الفصل 5
الجصّة
كانت الجصّة نصف مظلمة، يدخلها الضوء من فتحة صغيرة قرب السقف، فيسقط شريطًا ذهبيًا على أكياس التمر المكدّسة. التصق حذاء جود بالعتبة كما التصق أمس، فخلعته وتركته عند الباب ودخلت حافية على الطين البارد.
لم تكن تعرف ما تبحث عنه بالضبط، لكنها كانت تعرف أنه لن يكون مخفيًّا جيدًا. من يخبّئ شيئًا وهو خائف في منتصف الليل لا يخبّئه، بل يرميه في أول ظلّ يجده.
في الركن البعيد، خلف كيسين من السكري، كان هناك شيء أبيض لا يشبه التمر. انحنت، وسحبته برفق.
شماغ أبيض مطويّ على عجل، مبقّع بالدبس عند أطرافه، وفي داخله شيء ثقيل صلب.
فكّت الطيّات واحدة واحدة. أولًا لمعة نحاس، ثم المنقار المقوّس، ثم العنق الطويل. الدلّة. سليمة، لامعة أكثر مما رأتها في حياتها، كأن أحدًا فركها حتى آخر نَفَس. وبجانبها، ملفوفًا في طرف الشماغ وحده، الغطاء الصغير بقبّته وحبّته النحاسية، منفصلًا عن الجسم. وعند موضع المفصّلة ثقبان صغيران فارغان.
أخرجت المسمار من جيبها، ووضعته على الثقب. كان مقاسه تمامًا.
جلست على كيس تمر، والدلّة في حجرها، ولم تعرف هل تفرح أم تحزن. ثم سمعت خطوة عند الباب.
كان تركي. واقفًا عند العتبة، وحذاؤه ملتصق بها، ووجهه أصفر كوجه من لم ينم. نظر إلى الدلّة في حجرها، ثم إلى الشماغ، ثم إليها.
لم يقل شيئًا. وهي أيضًا لم تقل شيئًا لثوانٍ طويلة.
ثم قالت بهدوء: «اقعد يا تركي».
دخل وجلس على الأرض اللزجة دون أن يهتم بثوبه. وضع رأسه بين ركبتيه، وحين تكلم كان صوته مكتومًا:
«ما كنت أبغى أسرقها. والله ما كنت أبغى أسرقها».
«أعرف. اللص لا يلمّع ما يسرقه».
رفع رأسه، وفي عينيه دهشة حقيقية. «كيف عرفتِ؟»
عدّت له على أصابعها: الملح الرطب في المغسلة بعد أن نظّفتها العمة. نصفا الليمونة في الكيس الجديد. المسمار تحت المغسلة. الدبس على مقبض الخزانة وتحت الصينية. الغبار الممسوح في شبّاك القهوة الذي لا يدخله غيره. سؤاله عن النحّاس. ورأسه الحاسر عند الفجر.
ضحك ضحكة قصيرة باكية. «نسيت الشماغ. كل شيء خططت له، ونسيت الشماغ».
ثم حكى.
لم يستطع أن ينام. ظلّ يفكر أن الدلّة ستذهب غدًا إلى المتحف، ويراها آلاف الناس، وأن عند طرف المنقار بقعة صغيرة داكنة لم يصل إليها عصرًا لأن الجد كان يستعجله. قال لنفسه: خمس دقائق فقط. خرج من الفيلا قبل الواحدة بربع ساعة، ودار إلى باب المطبخ الخلفي، وفتح مصراع الشبّاك، وانزلق منه إلى المجلس كما كان يفعل وهو صغير. أخذ المفتاح من تحت الصينية، وفتح الخزانة، وعاد بالدلّة إلى المطبخ.
«لمّعتها. صارت تلمع مثل الشمس. وبعدين…» وابتلع ريقه. «أردت أن ألمّع داخل الغطاء أيضًا. فتحته أكثر من اللازم. سمعت صوتًا صغيرًا، مثل طقّة إصبع. والغطاء صار في يدي».
حاول أن يعيده، فلم يجد المسمار. بحث على الأرض في الظلام بضوء هاتفه، ولم يجده. سمع خطوات عند باب المجلس من الجهة الأخرى، وكانت خطوات فيصل، لكنه لم يعرف ذلك؛ ظنّ أن الجد استيقظ. ففزع، ولفّ الدلّة بشماغه، وركض بها إلى الجصّة، ورماها خلف الأكياس.
«ولما هدأ كل شيء، رجعت من الشبّاك، وقفلت الخزانة، ورجعت المفتاح تحت الصينية. قلت: إذا قفلتها، ما أحد بينتبه قبل الصبح. والصبح، الساعة ثمانية، بقول لفيصل يوديني المسوكف أشتري هدية لأمي، وبخلّي النحّاس يركّب مسمارًا جديدًا، وبرجعها قبل العاشرة. ما أحد بيدري».
قالت جود: «بس جدي فتح المجلس الساعة ست».
«إيه». وسكت طويلًا. «ولما قالت العمة إنها شافت فيصل… وأبوي قعد يصارخ عليه… كان المفروض أتكلم. كنت أبغى أتكلم. بس كل ما فتحت فمي، حسّيت إن الكلمة أكبر من الشبّاك».
نظرت إليه جود. لم يكن لصًّا، ولم يكن بطلًا. كان ولدًا في السادسة عشرة أحب شيئًا قديمًا أكثر من اللازم، وخاف أكثر من اللازم.
قالت: «أخوك الحين برّا، وأبوك زعلان منه، وهو ما سوّى شيئًا غير إنه كتب لجدي رسالة اعتذار. لازم تتكلم يا تركي. مو أنا اللي أتكلم عنك».
مسح وجهه بكمّه، فترك الدبس على خدّه خطًّا لامعًا، وضحكت جود رغمًا عنها، فضحك هو أيضًا وهو يبكي.
ثم قام، وحمل الدلّة بيديه الاثنتين كما رأى الجد يحملها، ووضعت جود الغطاء والمسمار في كفّه الأخرى.
قال: «تعالي معي. إذا وقفت لحالي ممكن أهرب».