الدلّة الغائبة

6 / 6 · 20 دقيقة

22

استمع · العربية · جهوري

يقرأ النص جملةً جملة، بصوت عربي جهوري.

الفصل 6

حكاية الإصلاح الرابع

في السابعة وعشر دقائق كان أهل البيت كلهم في المجلس مرة أخرى، وقد نادتهم جود واحدًا واحدًا. عاد فيصل وأبوه من الخارج، ووجهاهما متجهّمان. جلس الجد في صدر المجلس، ومسبحته ساكنة في يده. ودخل تركي آخر الجميع، ويداه خلف ظهره.

وقف في وسط المجلس. نظر إلى جود، فأومأت له. ثم مدّ يديه.

الدلّة على كفّه اليمنى، تلمع في ضوء الصباح. والغطاء والمسمار في كفّه اليسرى.

شهقت العمة منيرة. وقام سليمان نصف قيام ثم جلس.

قال تركي بصوت يرتجف لكنه لا يتوقف: «يا جدي، أنا اللي أخذتها. دخلت من شبّاك القهوة في الليل، وأخذت المفتاح، وقلت ألمّعها مرة أخيرة للمتحف. فتحت الغطاء أكثر من اللازم، وانكسرت المفصّلة مثل ما قلت. خفت، وخبّيتها في الجصّة، وكنت ناوي أصلحها عند النحّاس قبل العاشرة وما أقول لأحد». والتفت إلى أخيه. «وفيصل ما له دخل. شفتكم تتّهمونه، وسكتّ. هذا أسوأ شيء سوّيته، أسوأ من المفصّلة».

ساد المجلس صمت طويل. أطول صمت سمعته جود في حياتها.

ثم قام الجد. مشى ببطء حتى وقف أمام تركي، وأخذ الدلّة من يده، وقلّبها في الضوء. نظر إلى المنقار اللامع، ثم إلى الثقبين الفارغين، ثم إلى حفيده.

وقال شيئًا لم يتوقعه أحد:

«الحمد لله. صار لها أربع حكايات».

لم يفهم أحد. فجلس الجد، ووضع الدلّة في حجره، وحكى.

«تعرفون الإصلاح الثالث؟ المفصّلة؟ ما قلت لكم كيف انكسرت. كنت شابًّا صغيرًا، أكبر من تركي بقليل. أبوي نايم، وأنا أبغى أصبّ القهوة لضيف مثل الكبار. شديت الغطاء بقوة، فانخلع في يدي. خبّيت الدلّة تحت الحطب يومين. يومين كاملين وأنا ما أنام، وأبوي يدوّر ويسأل. وفي اليوم الثالث رحت له وقلت. فاخذني بيدي إلى النحّاس في المسوكف، وقال له: علّمه يركّب المسمار بيده. فركّبته بيدي. هذا المسمار اللي قدّامكم».

رفعت جود المسمار في كفّها ونظرت إليه كأنها تراه للمرة الأولى.

قال الجد: «أنا خبّيتها يومين. وتركي خبّاها ست ساعات، وجاب الحقيقة بنفسه قبل لا أحد يجرّه. يعني تركي أشجع من جدّه».

انفجر تركي بالبكاء، فضمّه الجد إلى صدره، ومسح الدبس عن خدّه بطرف غترته.

ثم التفت الجد إلى فيصل. «وأنت يا فيصل، وصلتني رسالتك». وأخرج الورقة المطوية من جيبه؛ كانت جود قد أعطته إياها عند الباب. «رسالتك أغلى عندي من أربعين ألفًا. العربة نبدأها سوا، من جيبي ومن راتبك، والمسمار الأول تركّبه بيدك».

تقدّم فيصل وقبّل رأس جدّه، ثم ضرب أخاه على كتفه ضربة خفيفة وقال: «يا عود الخيزران، كدت توديني في داهية». فضحك المجلس كله، وكأن الضحكة كانت محبوسة منذ الفجر.

وقالت العمة منيرة بصوت خافت: «سامحني يا فيصل. قلت اللي شفته، وما عرفت اللي ما شفته».

«ما عليك يا عمّة. لو كنت مكانك قلت مثلك».

في الثامنة والنصف ركب الجد وتركي وجود السيارة مع أبي جود إلى سوق المسوكف. كان النحّاس شيخًا أبيض اللحية، ابن النحّاس الذي علّم الجد قبل خمسين سنة. نظر إلى الدلّة، وابتسم كأنه يعرفها، وقال: «هذه دلّة آل حمد. أبوي لحم منقارها، وأنا أعرفها من نقشها».

ثم أعطى تركي مسمارًا نحاسيًا جديدًا، ومطرقة صغيرة، وقال: «على يدك. الإصلاح يحفظه اللي سوّاه».

جلس تركي على الكرسي الخشبي الواطئ، والجد فوق رأسه، والنحّاس يدلّه بإصبعه: هنا، أخف، الآن. وبعد عشر دقائق عاد الغطاء إلى مكانه، يفتح وينغلق بنعومة لم تعرفها جود فيه من قبل.

وقالت جود وهي تصوّر يدي تركي على الدلّة: «هذه صورة الغلاف الجديدة».

في العاشرة تمامًا وصلت الأستاذة هيفاء من المتحف. استقبلها الجد في المجلس، وصبّ لها القهوة، ثم قدّم لها الدلّة على صينية القهوة نفسها. وقبل أن تكتب شيئًا في أوراقها، قال:

«يا أستاذة، عندي طلب واحد. في اللوحة التي تكتبونها تحت الدلّة، اكتبوا أن لها أربعة إصلاحات. وخلّوا حفيدي يحكي لكم الرابع».

نظرت الأستاذة هيفاء إلى تركي مستغربة، ثم أخرجت مسجّلًا صغيرًا ووضعته أمامه. تردد تركي لحظة، ثم نظر إلى جود، فأومأت له مرة أخرى.

وبدأ يحكي، من أول الليمونة إلى آخر المسمار، ولم يُخفِ شيئًا.

وفي المساء، حين رجعت جود إلى الرياض، فتحت مشروعها المدرسي وكتبت عنوانه الجديد: «الأشياء القديمة لا تبقى لأنها لا تنكسر، بل لأن أحدًا يعترف حين يكسرها ثم يصلحها».

وتحت العنوان وضعت صورتين: الدلّة خلف الزجاج في الحادية عشرة وخمس دقائق ليلًا، والدلّة بين يدي تركي في الثامنة وأربعين دقيقة صباحًا.

بين الصورتين ليلة كاملة، وحكاية خامسة لا يعرفها المتحف: حكاية بنت عرفت أن رائحة الليمون لا تكذب، لكنها لا تكفي وحدها، وأن الحقيقة الكاملة لا يقولها أحد غير صاحبها.