الفصل 4
رائحة الليمون
بدأت جود من الخزانة.
اقتربت حتى كاد أنفها يلمس الزجاج. رائحة الليمون أقوى هنا، عند المقبض وعلى حافة الرف. لكنها تذكّرت أن تركي لمّع الدلّة عصر الأمس بالليمون نفسه. قالت لنفسها: الرائحة وحدها لا تكفي. رائحة العصر قد تبقى حتى الصباح.
ثم مدّت إصبعها إلى المقبض الزجاجي، فالتصق به قليلًا.
نظرت إلى إصبعها في ضوء النافذة: أثر بنّي لامع، حلو الرائحة. قرّبته من أنفها. دبس. دبس تمر.
فتحت الصورة مرة أخرى وكبّرتها على المقبض. في الحادية عشرة وخمس دقائق كان المقبض نظيفًا يلمع، بلا أي بقعة. إذن اليد التي أقفلت الخزانة في الليل كانت ملطّخة بالدبس.
رفعت صينية القهوة. على الوجه السفلي، عند الحافة التي يمسكها من يرفعها، بقعة لزجة أخرى صغيرة.
في البيت كله مكان واحد تخرج منه اليد مبلولة بالدبس في هذا الموسم. تذكّرت عتبة الجصّة وكيف التصق حذاؤها بها، وتذكّرت كلمة الجد: «لا أحد يخرج منها بيد نظيفة».
اتجهت إلى شبّاك القهوة. المصراع الخشبي مغلق من جهة المطبخ، ولا يُفتح من المجلس. لكن الإطار الحجري السفلي للفتحة، الذي يعلوه في العادة غبار ناعم لا يمسحه أحد، كان ممسوحًا في وسطه مسحًا عريضًا، كأن جسمًا انزلق عليه. وعلى الجانبين بقي الغبار كما هو.
خرجت من باب المجلس، ودارت حول البيت الطيني إلى الجهة الخلفية، حيث باب المطبخ الصغير الذي يفتح على النخل. لا يراه أحد من نافذة الجدة، فالنافذة تطلّ على الساحة الأمامية وباب المجلس فقط. دفعت الباب فانفتح بلا صوت.
المطبخ نظيف، كما تركته العمة منيرة بعد العشاء. لكن جود تعرف عمّتها: حين تنظّف شيئًا فإنها تنظّفه حتى يلمع. واقتربت من المغسلة.
في قاع المغسلة الفولاذية، حبيبات ملح بيضاء ما زالت رطبة، متجمّعة حول فتحة التصريف.
فتحت سلة المهملات. الكيس الجديد الذي وضعته العمة أمس، ولم يُلقَ فيه بعدها شيء، لم يعد فارغًا: نصفا ليمونة معصوران، مغموسان في الملح، وسواد النحاس عالق بقشرهما.
جلست جود على الأرض، وظهرها إلى الخزانة الخشبية، وحاولت أن ترتّب ما رأته. أحدهم لمّع الدلّة هنا في الليل، بعد أن نظّفت العمة المطبخ. لم يأتِ ليسرقها ويهرب؛ اللص لا يتوقف ليلمّع ما يسرقه.
حين أرادت أن تقوم، استندت بيدها على الأرض تحت المغسلة، فوخز شيء صغير راحة يدها. رفعته إلى الضوء.
مسمار نحاسي رفيع، بطول عقلة الإصبع، رأسه مستدير كحبة سمسم، وفي منتصفه انحناء خفيف. «مثل الإبرة»، هكذا وصفه الجد.
مسمار المفصّلة.
لفّت المسمار في منديل ووضعته في جيبها. وفهمت الآن معنى الدبس على المقبض: الذي لمّع الدلّة كسر مفصّلتها، فخاف، وخبّأها، ثم عاد إلى المجلس من الشبّاك ليغلق الخزانة ويعيد المفتاح حتى لا ينتبه أحد قبل الصباح.
لكن بقي السؤال الكبير: من؟
عادت إلى المجلس. وعند الباب الخشبي الكبير، حيث يمسح الداخلون أقدامهم على سجادة صغيرة مهترئة، لاحظت حافة ورقة بيضاء تبرز من تحتها. رفعت السجادة.
ورقة مطوية، مكتوب على ظهرها بخط كبير مرتبك: «إلى جدي».
ترددت. ثم قالت لنفسها إن الجد أعطاها المجلس ساعة، وإن هذه الورقة جزء منه. فتحتها.
«يا جدي، أنا آسف على كلامي على العشاء. ما كان قصدي إنك تختار الماضي، قصدي إني خايف ما يصير لي مستقبل. قلت لنفسي أكلمك الصبح، بس ما قدرت أنام وأنا زعلان منك وزعلانك مني. الدلّة لك، والقرار لك، وأنا بأبدأ العربة من راتبي ولو تأخرت سنة. سامحني. فيصل».
أغلقت جود الورقة بعناية. هذا ما كان فيصل يفعله الساعة الواحدة: منحنيًا عند الباب المقفل، يدسّ ورقته من تحته. لم يكن يعالج القفل. كان يعالج شيئًا آخر.
ثم إن فيصل، بكتفيه العريضتين، لا يدخل شبّاك القهوة ولو دهنوه بالزيت كله كما دهنوا عمّها خالد.
بقي أبو سعد. أخرجت هاتفها وكتبت بسرعة الأوقات:
غادر أبو سعد: 9:30 م. صورة الدلّة في مكانها: 11:05 م. الجد يقفل المجلس: 11:30 م. فيصل عند الباب: نحو 1:00 ليلًا. الجد يفتح المجلس: 6:10 ص.
أبو سعد كان على طريق بريدة قبل أن تلتقط الصورة بساعة ونصف. ولو عاد في الليل لرأت العمة سيارته من النافذة، أو سمع الجميع صوتها على الطريق الترابي كما سمعوها حين غادر. ثم إن أبا سعد رجل ممتلئ، لا يدخل الشبّاك، ولا يعرف أنه يُفتح من المطبخ. ولو أراد أن يسرق لما وقف يلمّع الدلّة بليمون وملح، ولا كسر مفصّلتها، فهو تاجر يعرف أن كل خدش ينقص من الثمن.
جلست على الديوان. صار في رأسها شكل يقترب، وكلما اقترب ثقل قلبها.
من يعرف أن الشبّاك يُفتح من المطبخ؟ كلنا. من يدخل منه اليوم؟ «ما يدخل منه إلا تركي، لأنه عود خيزران». من يلمّع النحاس بالليمون والملح؟ تركي. من سأل متى يفتح النحّاس صباحًا؟ تركي. ومن خرج إلى الفجر حاسر الرأس للمرة الأولى في حياته؟
نظرت إلى الساعة: السابعة إلا ربعًا. ما زال أمامها وقت قبل أن يفتح النحّاس في المسوكف. وقامت باتجاه المطبخ، ومنه إلى المزلاج الخشبي على باب الجصّة.