الفصل 3
الخزانة الفارغة
استيقظت جود على صوت الجد ينادي من ساحة البيت الطيني. لم يكن صوته عاليًا، لكنه كان غريبًا، كصوت رجل يحاول ألا يصدّق ما يراه. كانت الساعة السادسة وعشر دقائق.
ركضت إلى المجلس. الباب الخشبي الكبير مفتوح، والجد واقف أمام الخزانة. الباب الزجاجي مغلق، والمفتاح النحاسي في مكانه تحت الصينية، والرفّ… فارغ.
لا دلّة.
خلال دقائق امتلأ المجلس بأهل البيت. أبو جود يمسح وجهه بيديه، وعمّها سليمان يتلفّت كأن الدلّة ستظهر من خلف ديوان، وأم تركي تردّد: «لا حول ولا قوة إلا بالله». ودخلت العمة منيرة متأخرة قليلًا، بعينين حمراوين من السهر.
قال الجد: «فتحت الباب بعد ما رجعت من المسجد وشربت قهوتي. الباب كان مقفلًا كما تركته. المفتاح ما فارق جيبي». وأخرج المفتاح الحديدي من جيبه كأنه يقدّم دليلًا.
قال سليمان: «يعني أحد فتح الخزانة بالمفتاح الصغير، ثم أقفلها، ثم أرجع المفتاح تحت الصينية. هذا ليس لصًّا مستعجلًا. هذا واحد يعرف».
«والذي يعرف المفتاح…» قالت أم تركي، ثم سكتت.
لكن الجميع أكملوا الجملة في رؤوسهم: أبو سعد. الرجل الذي عرض أربعين ألفًا، وسمع الجد يقول بلسانه أين المفتاح.
قال أبو جود: «نتصل بالشرطة».
رفع الجد يده. «اصبروا. الأستاذة هيفاء تصل في العاشرة. ما أريد أن نتّهم ضيفًا في بيتي قبل أن نعرف. أبو سعد عشرتي ثلاثين سنة».
قالت العمة منيرة بتردد: «يا أبوي… أنا سهرت عند أمي طول الليل، والنافذة على الساحة. ما رأيت سيارة ولا غريبًا». ثم خفضت صوتها: «بس… رأيت فيصل. الساعة واحدة تقريبًا. كان واقفًا عند باب المجلس، منحنيًا كأنه يعالج القفل، ثم رجع إلى الفيلا».
التفتت الرؤوس كلها نحو فيصل. كان واقفًا عند الباب، ووجهه يتبدّل بين الأحمر والأبيض.
«أنا… ما فتحت شيئًا. الباب كان مقفلًا!»
قال أبوه بصوت مكسور: «وماذا كنت تفعل عند الباب الساعة واحدة يا فيصل؟»
«كنت… هذا شيء بيني وبين جدي».
«بعد كلامك أمس على العشاء؟ أربعون ألفًا وعربة طعام؟»
خرج فيصل من المجلس دون أن يجيب، وصفق الباب الخارجي خلفه. لحق به أبوه.
مرّت عينا جود على العمة منيرة. هي أيضًا لم تكن تريد للدلّة أن تخرج من البيت، وبكت لذلك أمس، وكانت مستيقظة طوال الليل. لكن جود تذكّرت الكرسي بجوار سرير الجدة، وتذكّرت أن الجدة لا تنام في زكامها إلا ويدها في يد أحد. وحين ذهبت أم تركي تطمئن على الجدة، عادت تقول إنها تسأل: «منيرة ما تركتني لحظة، وش صاير عندكم؟». ثم إن العمة لو أرادت الدلّة لما احتاجت إلى ليل وأقفال؛ كانت تستطيع أن تطلبها من أبيها فلا يردّها. أبعدت جود الفكرة، وخجلت قليلًا أنها خطرت لها.
وقفت جود في زاوية المجلس تراقب. كان هناك شيء ثالث في الغرفة غير الغضب والحزن، شيء لم تستطع تسميته بعد. نظرت إلى تركي. كان واقفًا خلف الجميع، ملتصقًا بالجدار قرب شبّاك القهوة، ويداه في جيبي ثوبه. ولاحظت أنه حاسر الرأس.
تركي لا يخرج إلى صلاة الفجر بلا شماغ أبدًا. كانت تمازحه دائمًا بأنه يلبسه حتى في الحرّ كأنه موظف في مكتب.
سألته بصوت منخفض: «وين شماغك؟»
ارتبك لحظة. «نسيته في السيارة».
لم تقل شيئًا. لكنها لاحظت أن عينيه تهربان من الخزانة كما تهرب العين من الشمس.
جلس الجد على الديوان، وأخرج مسبحته، ونظر إلى الساعة المعلّقة: السادسة والنصف.
«عندنا ثلاث ساعات ونصف. إن رجعت الدلّة قبل العاشرة فلا أريد أن أعرف من أخذها، ولا لماذا. وإن لم ترجع فسأخبر الأستاذة هيفاء بالحقيقة، ونبلّغ».
قالت جود فجأة: «يا جدي، أعطني ساعة واحدة قبل أي شيء».
نظر إليها الجد طويلًا. كان يعرف حفيدته: البنت التي فكّت قفل صندوق الرسائل القديم وهي في العاشرة بدبوس شعر، لأنها أرادت أن تعرف «كيف يفكر القفل». ثم أومأ.
«ساعة. والمجلس لك».
خرج الكبار ببطء، وبقيت جود وحدها. أغلقت عينيها وتنفّست بعمق. أول ما ملأ أنفها رائحة القهوة الباردة… وتحتها، خفيفة لكنها واضحة، رائحة أخرى.
ليمون.
فتحت هاتفها على الصورة الأخيرة: 11:05 م. الدلّة في مكانها، والغطاء مغلق، والمقبض نظيف. إذن، الذي حدث، حدث بعد الحادية عشرة وخمس دقائق، وبعد أن أقفل الجد الباب في الحادية عشرة والنصف، وقبل أن يفتحه في السادسة وعشر دقائق.
باب مقفل، ومفتاحه في جيب رجل نائم. ومع ذلك دخل أحد.
رفعت عينيها ببطء إلى الجدار الذي يفصل المجلس عن المطبخ، إلى المصراع الخشبي الصغير الذي تُمرّر منه القهوة منذ تسعين سنة.