الفصل 2
ضيف المغرب
بعد صلاة المغرب سمعوا سيارة تقف عند البوابة. كان القادم أبو سعد، تاجر تحف من بريدة يعرفه الجد منذ سنين. رجل ممتلئ ضاحك، يلبس نظارة ذهبية ويحمل مسبحة من الكهرمان يقلّب حبّاتها كأنه يعدّ نقودًا.
سلّم على الجميع، وجلس في صدر المجلس، وما إن وُضع الفنجان في يده حتى التفت إلى الخزانة.
«الله الله يا أبا عبدالله! صحيح ما سمعت؟ ستعطونها للمتحف؟»
«صحيح».
«تعطونها مجانًا؟ يا رجل، عندي زبون في الرياض يجمع دلال نجد. يدفع فيها أربعين ألفًا الليلة، نقدًا».
ساد المجلس صمت قصير. لاحظت جود أن فيصل، ابن عمها، رفع رأسه فجأة كمن سمع اسمه.
قال الجد بهدوء: «يا أبا سعد، الدلّة ليست للبيع. جدّي صبّ منها القهوة لضيوفه ستين سنة، وأريدها أن تصبّ للناس حكايتها ستين سنة أخرى».
قام أبو سعد ووقف أمام الخزانة، ونظارته تكاد تلامس الزجاج. «تسمح أشوفها في يدي؟ أبغى أقرأ التاريخ تحت القاعدة».
«تراها من خلف الزجاج، مثل ما سيراها الناس في المتحف».
لم يغضب أبو سعد، بل هزّ رأسه معجبًا، وأخذ يعدّد بخبرة تاجر: «النحاس أحمر قديم، والمنقار ملحوم لحمًا نظيفًا، واليد ليست أصلية، ركّبوها بعد زمن… صح؟» فدهشت جود؛ عرف في دقيقة ما قصّه عليها الجد في ساعة. ثم عاد إلى مكانه وهو يقول: «الحرفة ما تكذب».
ضحك أبو سعد وقال: «على راحتك. لكن انتبه لها، الأشياء الغالية لها عيون».
ردّ الجد ضاحكًا وهو يشير إلى الرف: «انظر، حتى مفتاح الخزانة تحت صينية القهوة. ما أخاف عليها».
ضحك الجميع. أما جود فلم تضحك؛ سجّلت في ذهنها أن رجلًا غريبًا صار يعرف مكان المفتاح.
على العشاء، بعد صلاة العشاء، انفجر ما كان مكتومًا. كان فيصل في الثانية والعشرين، طويلًا عريض الكتفين، لاعب كرة سابقًا، يحلم منذ سنة بعربة طعام يبيع فيها «كليجا» بحشوات جديدة. قال وهو يقلّب الرز في صحنه:
«يا جدي، لا تزعل مني. لكن أربعين ألفًا… هذه عربة كاملة. المتحف سيضعها في زاوية ولن يتذكرها أحد. لو بعتها لصار لها فائدة».
وضع الجد ملعقته. «فائدة لمن؟»
«للعائلة. لي. أنا أعيد لك المبلغ من الأرباح».
«الدلّة ليست قرضًا يا فيصل».
ارتفع صوت فيصل قليلًا: «أنت دائمًا تختار الماضي على المستقبل!»
قال أبوه سليمان بحدّة: «فيصل!»
سكت فيصل، ثم قام عن السفرة دون أن يكمل عشاءه. ساد صمت ثقيل، كسره الجد بنفسه: «اتركوه. الولد مستعجل على رزقه، وما في ذلك عيب. العيب أن يستعجل بالطريقة الخطأ».
وفي وسط الصمت سأل تركي سؤالًا بدا لجود غريبًا في توقيته:
«يا جدي، محلّ النحّاس في المسوكف، متى يفتح الصبح؟»
نظر إليه الجد مستغربًا: «بعد الثامنة. لماذا؟»
«أبغى أشتري هدية لأمي. صحن نحاس صغير».
ابتسمت أم تركي وقالت: «الله يرضى عليك». ومضى الحديث إلى غيره.
غادر أبو سعد في التاسعة والنصف، بعد أن ودّع الجد عند البوابة. سمعت جود صوت سيارته يبتعد على الطريق الترابي حتى اختفى. وبعد العشاء نظّفت العمة منيرة المطبخ الصغير الملاصق للمجلس بنفسها، كعادتها حين تكون في بيت أهلها: غسلت الصحون، وفركت المغسلة حتى لمعت، وأفرغت سلة المهملات ووضعت فيها كيسًا جديدًا، ثم قالت: «أنا ذاهبة أنام عند أمي في غرفتها؛ زكامها اشتد الليلة».
بقيت جود في المجلس وحدها تقريبًا، تراجع صور مشروعها. وفي الحادية عشرة وخمس دقائق قامت والتقطت صورة أخيرة للخزانة؛ أرادت لقطة ليلية والضوء الأصفر ينعكس على النحاس. ظهرت الدلّة في الصورة كاملة، غطاؤها مغلق، ومنقارها إلى اليمين، ومقبض الخزانة الزجاجي نظيف يلمع. حفظ الهاتف الوقت تحت الصورة: 11:05 م.
في الحادية عشرة والنصف دخل الجد، أطفأ الأنوار، وقال: «يلا يا جود، المجلس ينام». خرجت معه، فأقفل الباب الخشبي الكبير من الخارج بمفتاحه الحديدي الثقيل، ودسّه في جيب ثوبه، ومشيا معًا إلى الفيلا تحت سماء صافية تملؤها النجوم.
قبل أن تنام، مرّت جود بغرفة الجدة. كانت العمة منيرة جالسة على كرسي بجوار السرير، والنافذة تطلّ على ساحة البيت الطيني وباب المجلس. قالت العمة: «سأسهر معها. لا تقلقي».
نامت جود وهي تفكر في شيء صغير لم تجد له تفسيرًا: لماذا يسأل ولد في السادسة عشرة عن موعد فتح محل النحّاس، بلهفة من يسأل عن موعد طائرة؟