الدلّة الغائبة

1 / 6 · 20 دقيقة

22

استمع · العربية · جهوري

يقرأ النص جملةً جملة، بصوت عربي جهوري.

الفصل 1

دلّة الجد

وصلت جود إلى مزرعة جدّها في عنيزة عصر الأربعاء، والنخل مثقل بعذوقه كأنه ينحني ليسلّم على القادمين. كان موسم الصرام في أوله، ورائحة التمر تملأ الهواء حتى تكاد تراها. نزلت من السيارة قبل أن يطفئ أبوها المحرك، وركضت إلى البيت الطيني القديم الذي رمّمه الجد قبل سنوات وجعله مجلسًا للعائلة، تاركًا الفيلا الحديثة المجاورة للنوم والطبخ.

في المجلس، فوق الدواوين المصفوفة، كانت الخزانة الزجاجية الصغيرة معلّقة على الجدار كعادتها، وفيها الشيء الذي جاءت العائلة كلها من أجله: دلّة الجد الكبير.

دلّة نحاسية طويلة العنق، منقارها مقوّس كمنقار صقر، وغطاؤها مثل قبّة صغيرة تعلوها حبّة نحاسية. عمرها نحو تسعين سنة؛ تحت قاعدتها حُفر بخطّ دقيق: «صُنعت سنة 1358هـ». وغدًا، الخميس، في العاشرة صباحًا، ستأتي الأستاذة هيفاء من متحف المنطقة لتتسلّمها هديةً من العائلة، وتضعها في قاعة «قهوة أهل نجد» باسم الجد الكبير حمد.

قال الجد صالح وهو يفتح الخزانة: «تعالي يا جود، شوفيها قبل أن تصير ملك الناس كلهم».

كان الجد في السبعين، نحيلًا مستقيم الظهر، يتكلم بهدوء من يعرف أن الناس سيصغون مهما خفض صوته. أخرج الدلّة بكلتا يديه كأنه يحمل طفلًا نائمًا، وأدارها أمامها.

«هذه الدلّة أُصلحت ثلاث مرات. المرة الأولى بعد سيل سنة الغرقة، انكسرت يدها فركّب لها جدّي يدًا جديدة. والثانية حين انشقّ منقارها، فلحمه نحّاس في سوق المسوكف. والثالثة…» ورفع الغطاء قليلًا ليريها المفصّلة الصغيرة التي تربطه بالجسم، «هذه المفصّلة ركّبتها بيدي قبل خمسين سنة. يمسكها مسمار رفيع مثل الإبرة. لكنها تعبت يا بنتي؛ إذا فتحتِ الغطاء فافتحيه بلطف، وإذا أُجبر انكسر».

قالت جود: «ولماذا لا تصلحها قبل أن تعطيها للمتحف؟»

ابتسم الجد: «المتحف عنده من يرمّم. وأنا أريدها أن تصل كما هي، بتعبها».

في تلك اللحظة دخل تركي، ابن عمها سليمان، يحمل صحنًا فيه ليمون مقطّع وكومة صغيرة من الملح. كان في السادسة عشرة، أنحف أحفاد الجد وأكثرهم صمتًا، وأكثرهم حبًّا للأشياء القديمة. منذ صغره وهو يلاحق الجد في المزرعة يسأله عن أسماء النخل وأنواع الأقفال وكيف كانت تُحفظ المياه.

قال تركي: «يا جدي، وعدتني ألمّعها قبل المتحف».

ضحك الجد: «على الطريقة القديمة؟»

«على الطريقة القديمة. ليمون وملح، ثم ماء، ثم قطعة قماش ناشفة».

جلس تركي على الأرض في المطبخ الصغير الملاصق للمجلس، والجد فوق رأسه يراقب، وجود تتفرّج. غمس نصف ليمونة في الملح، وأخذ يفرك النحاس دوائر صغيرة، فانجلت تحت يده بقعة ذهبية، ثم أخرى. كان يعمل بصبر غريب على عمره. وكلما اقترب من الغطاء قال له الجد: «انتبه للمفصّلة». فيبتعد عنها كأنها جمرة.

بين المطبخ والمجلس فتحة مربعة في الجدار، بعرض ذراع تقريبًا، يغلقها من جهة المطبخ مصراع خشبي صغير بمزلاج. كانت القهوة في الزمن القديم تُعدّ في المطبخ وتُمرَّر منها إلى المجلس حتى لا يدخل أحد على الرجال. تذكّرت جود أن الصغار كانوا يتسابقون في الزحف منها حين كانت في الثامنة، وأن عمّها خالد علق فيها مرة حتى أخرجوه بالزيت والضحك. وللمطبخ باب خلفي صغير يفتح على النخل من الجهة الأخرى للبيت، لا يُقفل أبدًا، لأن الجد يقول إن المطبخ «ما فيه إلا تمر وقهوة».

قالت وهي تنظر إليها: «شبّاك القهوة صار أصغر».

قال الجد: «أنتم الذين كبرتم. اليوم ما يدخل منه إلا تركي، لأنه عود خيزران».

احمرّ وجه تركي ولم يرفع رأسه عن الدلّة.

حين انتهى، كانت الدلّة تلمع كأنها خرجت من السوق صباح ذلك اليوم. جفّفها تركي جيدًا، ومسح الجد رفّ الخزانة بقطعة قماش، ثم أعادها إلى مكانها وأغلق الباب الزجاجي بالمفتاح النحاسي الصغير. ثم رفع صينية القهوة الموضوعة على الرف القريب، ووضع المفتاح تحتها.

قالت جود: «تحت الصينية؟ هذا أول مكان يبحث فيه اللص!»

«وأي لص يا بنت؟ المجلس يُقفل في الليل، ومفتاحه في جيبي».

بعد ذلك أخذهم الجد إلى الجصّة، المخزن الطيني الملاصق للمطبخ، حيث يُكنز التمر في الموسم. رائحتها حلوة ثقيلة، وأرضها لزجة من الدبس الذي يسيل من أكياس السكري المكدّسة. التصق حذاء جود بالأرض عند العتبة، فضحك تركي لأول مرة ذلك اليوم.

قال الجد: «الجصّة تمسك كل من يدخلها. لا أحد يخرج منها بيد نظيفة».

أغلق باب الجصّة بالمزلاج الخشبي من الخارج، وعادوا إلى المجلس حيث بدأ أهل البيت يتوافدون: عمّها سليمان وزوجته، وابنه الكبير فيصل، والعمة منيرة التي جاءت من بريدة قبل يومين لتبقى مع الجدة المريضة بالزكام. صبّت العمة القهوة، ونظرت طويلًا إلى الخزانة، ثم قالت بصوت خافت:

«كنت أتمنى أن تبقى في البيت. بيتنا هو متحفها».

ربّت الجد على يدها ولم يقل شيئًا.

أخرجت جود هاتفها والتقطت صورة للدلّة اللامعة خلف الزجاج. كانت تجمع صورًا لمشروعها المدرسي عن تراث القصيم، وقررت أن تجعل هذه الدلّة غلافه. لم تكن تعرف أن صورة أخرى ستلتقطها في الليلة نفسها ستصير أهم صورة في حياتها.